في خطوة نادرة وجريئة، أطلق نشطاء مصريون في عدة عواصم أوروبية خلال الأسبوع الأخير من جويلية 2025، حملة رمزية تحت شعار “مقفول من عندكم مش من عندنا”، تعبيرًا عن رفضهم واستنكارهم لاستمرار إغلاق معبر رفح الحدودي، ومنع دخول المساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة المحاصر، والذي يرزح تحت وطأة مجاعة خانقة منذ أشهر.
البداية من لاهاي: قفل ودقيق ضد الحصار
كانت مدينة لاهاي الهولندية نقطة انطلاق هذه الحملة، عندما قام الناشط المصري أنس حبيب بإغلاق مدخل السفارة المصرية باستخدام قفل معدني، وسكب الدقيق على الأرض كرمز للجوع والحصار المفروض على غزة. وفي اليوم ذاته، توجّه أنس إلى السفارة الأردنية وأقفل أبوابها بقفل مشابه ، محملاً الدولتين المسؤولية عن استمرار إغلاق المعابر في وجه الجرحى والمواد الإنسانية.
وفي تصريح إعلامي، أكد أنس:
“أنا لا أمثّل تيارًا سياسيًا ولا حزبًا. أنا إنسان مصري لا يستطيع أن يصمت أمام المجازر والجوع. إن كان معبر رفح مقفول من عندهم، فلتُغلق سفاراتهم من عندنا.”
امتداد الحملة إلى لندن وبرلين ولبيروت ومونتريال وكوبنهاغن
لم تقتصر التحركات على لاهاي، بل سرعان ما امتدت إلى مدن أوروبية وأمريكية متعددة:
- لندن (24 جويلية): تظاهر عشرات النشطاء المصريين والعرب أمام السفارة المصرية، وأغلقوا المدخل رمزيًا بعصي خشبية وأشرطة، مع تعليق كوفية فلسطينية. ترددت شعارات مثل:
“افتحوا رفح”، “السيسي شريك في التجويع”، و”إذا أُغلقت غزة، سنغلق سفاراتكم”. - برلين (25 جويلية): احتشد المتظاهرون أمام السفارة مرتدين أقنعة تمثل وجوه معتقلين سياسيين في مصر، في إشارة إلى الربط بين القمع الداخلي والتواطؤ الخارجي، حاملين لافتات كتب عليها:
“من يُغلق المعبر، يُغلق الأمل.” - بيروت (26 جويلية): نظم نشطاء فلسطينيون ولبنانيون وقفة أمام السفارة المصرية، رفعوا خلالها لافتات تطالب بفتح المعبر قبل دفن الأطفال، وأخرى تشير إلى أن التواطؤ في الحصار جريمة قتل. وحاول أحد المحتجين لصق قفل رمزي على باب السفارة قبل تدخل الأمن اللبناني.
- مونتريال (27 جويلية): قام ناشطون بوضع سلسلة رمزية على باب القنصلية المصرية، ووزّعوا منشورات توضح أهداف الحملة تحت عنوان:
“مقفول من عندكم، مش من عندنا – أنقذوا غزة”. - كوبنهاغن (28 جويلية): نظمت وقفة صغيرة أمام السفارة المصرية، وتم تعليق سلسلة رمزية لبضع دقائق قبل إزالتها من قبل الشرطة الدنماركية.
دلالات الحملة ورسائلها السياسية
حملت هذه الحملة رمزية بسيطة لكنها ذات وقع سياسي وإنساني عميق، إذ استخدم النشطاء القفل، الدقيق، والأشرطة أمام السفارات كرسائل احتجاج صارخة على ما يرونه “تواطؤًا رسميًا مصريًا في حصار غزة”.
يرى النشطاء في هذه التحركات تعبيرًا عن تناقض بين الخطاب الرسمي المصري الداعم لغزة إعلاميًا، والواقع العملي الذي يقيد دخول المساعدات والمعابر الإنسانية.
ولا يقل لافتًا أن أغلب المشاركين هم من الجيل الثاني من أبناء الجالية المصرية في الخارج، الذين يرفضون أن يُستخدم اسم وطنهم في شراكة ضمنية مع آلة التجويع والقتل.
ردود الفعل المصرية: تبرئة رسمية واستنكار متصلب
لم تخلُ الردود الرسمية المصرية من حدة الاتهامات، حيث وصف البرلمان هذه التحركات بـ”المشبوهة”، واتهم القائمين عليها بأنهم “أدوات لجماعة الإخوان المسلمين” و”يخدمون أجندات أجنبية”.
أما الإعلام الرسمي، فتجاهل الحملة أو وصفها بأنها “مسرحيات إعلامية” تهدف إلى تشويه صورة مصر في الخارج.
في الوقت نفسه، طالبت وزارة الخارجية المصرية الدول المضيفة بـ”حماية البعثات الدبلوماسية من التحريض والتعديات”، معتبرة ما جرى “خرقًا للقانون الدولي”.
هل تتحول الحملة إلى موجة احتجاج مستمرة؟
على الرغم من محاولة السلطات احتواء الحملة إعلاميًا، فإن حملة “مقفول من عندكم مش من عندنا” فتحت بابًا جديدًا للاحتجاج الرمزي، تأكيدًا على أن كرامة الإنسان وحقه في الحياة ليست للمساومة أو الانتظار.ويبقى السؤال الأبرز:
كم من الأقفال سنحتاج كي نفتح الحقيقة؟