مأساة المتوسط مستمرة: “سي-ووتش” تتهم أوروبا بالقتل المتعمّد بعد غرق طفلين قبالة السواحل الإيطالية

1

في تراجيديا جديدة تعكس عمق الأزمة الإنسانية على طريق الهجرة عبر المتوسط، لقي طفلان حتفهما، وفُقد شخص آخر يُعتقد أنه فارق الحياة، بعد انقلاب قارب كان يقل نحو 90 مهاجرًا قبالة السواحل الإيطالية، وذلك أثناء محاولة إنقاذ نفذها طاقم سفينة تجارية في المنطقة.

الواقعة، التي سُجّلت يوم الثلاثاء 29 جويلية، فجّرت غضب منظمة “سي-ووتش” الألمانية غير الحكومية، التي اتهمت السلطات الأوروبية بالتقاعس العمدي والتسبب في ما وصفته بـ”جريمة قتل ببطء وعلى مرأى من الجميع”.

رُصدوا.. لكن تُركوا يواجهون الموت

منظمة سي-ووتش أعلنت أن طائرتها الاستطلاعية رصدت القارب المكتظ بالمهاجرين قبل يوم كامل من وقوع الحادثة، وأبلغت “جميع السلطات الأوروبية المعنية”، لكن دون أي استجابة فورية أو تعبئة لفرق الإنقاذ الرسمية.

في بيانها، قالت المنظمة:

“ما حدث هو النتيجة الحتمية لسياسة أوروبية ممنهجة تقوم على عدم التدخل. السلطات كانت تعلم بوجود خطر على أرواح عشرات الأشخاص، واختارت ألا تُحرّك ساكنًا.”

“قتل مُتعمَّد” في عرض البحر

وفي تصريح لوسائل الإعلام، قال بول فاغنر، المتحدث باسم المنظمة:

“هذه سياسة قاتلة عن سابق إصرار. الأطفال الذين غرقوا لم يكونوا ضحايا حادث مفاجئ، بل ضحايا لتواطؤ مؤسساتي متعمد. السلطات تركتهم يواجهون المصير المحتوم، رغم علمها الكامل بالموقف.”

وأكد فاغنر أن تأخر الاستجابة ليس خللًا في التنسيق أو ضعفًا في الإمكانيات، بل خيار سياسي واضح يقوم على ردع المهاجرين من خلال الخطر والموت.

دور فرونتكس: حضور بدون إنقاذ

بحسب رواية سي-ووتش، تدخلت وكالة الحدود الأوروبية “فرونتكس” بإرسال طائرة استطلاع رصدت القارب بعد الانقلاب، وأسقطت طوف نجاة في البحر، لكن ذلك جاء متأخرًا جدًا، ومن دون إرسال طاقم مختص بعمليات الإنقاذ.

المنظمة اعتبرت هذا التدخل شكليًا ولا يُنقذ الأرواح فعليًا، موضحة أن الاستجابة السريعة كانت ممكنة، خاصة وأن سفينتها “أورورا” كانت على مسافة لا تتجاوز 4.5 ساعات من موقع الحادث.

إلا أن السفينة كانت قيد الاحتجاز من قبل السلطات الإيطالية، التي منعتها من الإبحار بتهمة خرق ما سمّته “قوانين إنقاذ غير منسقة”، في خطوة تندرج ضمن القيود المتزايدة على منظمات الإنقاذ غير الحكومية.

طريق الموت.. بلا نهاية

هذه الحادثة ليست استثناء. فقد شهد طريق وسط المتوسط، الذي يربط بين شمال إفريقيا وجنوب أوروبا، خلال الأيام الأخيرة فقط، سلسلة من المآسي، منها وفاة ما لا يقل عن 38 شخصًا، وفقدان 66 آخرين في ظروف مشابهة.

ويُعد هذا الطريق من أخطر طرق الهجرة غير النظامية في العالم، حيث أودى منذ عام 2014 بحياة أكثر من 22 ألف شخص، وفقًا لإحصاءات المنظمة الدولية للهجرة.

منظمات الإنقاذ تحت الحصار

تعيش منظمات الإنقاذ مثل “سي-ووتش” تحت ضغوط متزايدة من الحكومات الأوروبية، خاصة إيطاليا، التي فرضت قوانين صارمة تُقيّد عمليات التدخل في البحر وتُلزم السفن بالتوجه إلى موانئ بعيدة، مما يُقلّل من فاعلية الاستجابة السريعة في حالات الطوارئ.

وترى هذه المنظمات أن هذه السياسات لا تهدف إلا لردع التضامن وتجريم العمل الإنساني، في حين تستمر الدول الأوروبية في غضّ الطرف عن الخطر الحقيقي الذي يواجهه المهاجرون.

فيما لا تزال جثث الأطفال تُنتشل من أمواج المتوسط، تواصل السلطات الأوروبية اعتماد استراتيجية “الردع باللا مبالاة”، تاركة المنظمات الإنسانية وحدها في مواجهة مأساة تتكرّر بصمت كل يوم.وتبقى الأسئلة مفتوحة:
من يُحاسَب؟ من يتحمّل المسؤولية؟ وهل يمكن الحديث عن قضاء وقدر بينما تُرتَكَب الأخطاء ذاتها مرارًا؟