في زمنٍ تراجعت فيه إنجازات ألعاب القوى التونسية وغابت فيه الأسماء الكبيرة التي صنعت أمجاد الماضي، تطلّ العداءة مروى بوزياني كأيقونة جديدة تحمل على عاتقها آمال جماهير رياضة تبحث عن بطل يعيد لها بعضًا من بريقها المفقود. في العاصمة اليابانية طوكيو، نجحت العداءة التونسية في التأهل إلى نهائي 3000 متر موانع ضمن بطولة العالم 2025، لتُأكّد على أنّ العزيمة الفردية قادرة على مقاومة الانهيار العام.
مسيرة البوزيّاني حافلة بالأرقام القياسية
العدّاءة مروى بوزياني لم تصل إلى نهائي طوكيو الذي سيقام اليوم من فراغ. مسيرتها في السنوات الأخيرة كانت صعودًا متواصلًا يترجم بالنتائج. فقد تمكنت في أوت 2024 من تحطيم الرقم القياسي التونسي في اختصاص 3000 متر موانع بزمن بلغ 9:04.93 دقيقة في ملتقى روما لتصبح الوريثة الشرعية الوحيدة لملكة هذا الإختصاص سابقا البطلة الأولمبية والعالمية حبيبة الغريبي ، وهو رقم وطني مازال صامدًا ويعزّز مكانة مروى ضمن نخبة العداءات العالميات.
في موسم 2025 وحده، وقّعت مروى على سلسلة من النتائج القوية حيث حققت 9:12.13 دقيقة في ملتقى الدوري الماسي بالدوحة في شهر ماي الماضي وأكدت على جاهزيتها بتحقيق زمن قوي قدره 9:06.84 دقيقة في ملتقى أوسلو شهر جوان من نفس هذه السنة، لتعود وتؤكّد على جاهزيتها لخوض أقوى المنافسات العالمية من خلال ملتقى زيورخ شهر أوت الماضي بتوقيت قدره 9:12.03 دقيقة .
كما حصدت مراكز متقدمة في عدة لقاءات دولية، بين المركز الثالث والخامس، وأحرزت الفوز في ملتقى توركو الفنلندي بتوقيت 9:19.46 دقيقة في سباق كان إستعراضا لإمكانياتها البدنية والذهنية.
هذا الاستقرار في الأداء جعل اسم البوزياني يتردد بقوة في الدوائر العالمية، خاصة مع تنويعها للمسافات الأخرى، حيث حققت رقمًا وطنيًا جديدًا في 1500 متر قدره 4:03.51 دقيقة في نفس شهر أوت 2025 إضافة إلى رقم قياسي وطني في سباق 10 كلم بزمن 31:17 دقيقة في شهر جانفي 2025 بفرنسا.
ما وراء الإنجاز الفردي
إنجاز البوزياني لا يُقاس فقط بالأزمنة، بل أيضًا بالرمزية. فهي أول عداءة تونسية منذ سنوات تنجح في فرض نفسها في النهائيات العالمية، في وقت اكتفت فيه زميلتها رحاب الضاهري بالخروج المبكر من التصفيات بتوقيت 9:51.58 دقيقة، فيما لم ينجح العداء محمد أمين الجهيناوي في بلوغ النهائي مكتفيًا بالمركز السادس في التصفيات بزمن 8:27.89 دقيقة. الاستثناء في هذه البطولة العالمية كان مع العدّاء أحمد الجزيري الذي وصل إلى نهائي 3000 متر موانع للرجال، لكنه أنهى في المركز 11 عالميًا بزمن 8:39.30 دقيقة.
هذا التباين بين نتائج العدائين التونسيين يؤكد أن البوزياني ليست مجرد عنصر من المنتخب، بل هي الرمز الوحيد حاليًا القادر على حمل صورة ألعاب القوى التونسية على الساحة العالمية.
هل تكفي مروى وحدها؟
السؤال الذي يطرح نفسه: هل تستطيع عداءة واحدة إنقاذ رياضة بأكملها؟ مروى بوزياني منحت تونس فرصة جديدة للحديث عنها في المحافل العالمية، لكن استمرار هذا البريق يتطلب رؤية واستراتيجية واضحة من الجامعة التونسية لألعاب القوى، تبدأ من الاستثمار في المواهب الشابة إلى توفير الدعم العلمي والتقني و اللوجيستي للرياضيين.
نهائي طوكيو ليس مجرد سباق بالنسبة لمروى بوزياني. إنه اختبار رمزي لألعاب القوى التونسية كلّها. الفوز بميدالية سيكون حدثًا تاريخيًا، لكن حتى في غياب التتويج، فإن وجودها بين أفضل عداءات العالم يكفي لتقول إن تونس مازالت هنا، وإن الرياضة التونسية قادرة على العودة من جديد إذا ما توفرت الإرادة.
ويبقى السؤال: هل تكون مروى بوزياني الشرارة التي تعيد الروح إلى ألعاب القوى التونسية، أم تبقى إنجازاتها مجرّد استثناء معزول في مشهد رياضي مأزوم؟