من خارج كل الحسابات: بلا تمويل، بلا مدرّب، وبلا عقد… العيوني يحطم الرقم القياسي الوطني ويقفز 418 مركزًا عالميًا.

عبد السلام العيوني

 

يعيش العداء الدولي التونسي عبدالسلام العيوني واحدًا من أبرز مواسمه الرياضية منذ بداية مسيرته، موسم عنوانه العريض العودة القوية والتحدي المستمر رغم قلة الإمكانيات وكثرة العراقيل. ففي ظرف بضعة أشهر فقط، انتقل العيوني من المرتبة 495 عالميًا في فيفري 2025 إلى المرتبة 77 حاليًا برصيد 1207 نقاط في التصنيف العالمي للاتحاد الدولي لألعاب القوى، مع توقّع مزيد من الصعود في الترتيب بعد المشاركات القادمة ، بعد تسجيله رقمًا قياسيًا وطنيًا جديدًا قدره 1:44.55 دقيقة في سباق 800 متر في ملتقى أبّاندسبورفاست الدّولي بألمانيا.

موسم استثنائي بنتائج قوية ومتنوعة

خاض العيوني سلسلة من السباقات الدولية خلال صائفة 2025، ونجح في تحقيق أرقام منتظمة تؤكد استعادة مستواه العالمي، حيث جاءت أبرز نتائجه كالتالي:

ملتقى أبّاندسبورفاست ألمانيا (20 أوت 2025): 800 م – 1:44.55 (رقم قياسي تونسي جديد).

ملتقى مونتجيرون – فرنسا (27 جوان 2025): 800 م – 1:45.23 

ملتقى مارتينغ – فرنسا (07 جوان 2025): 800 م – 1:45.50 

ملتقى نيمبرو – إيطاليا (10 جويلية 2025): 800 م – 1:45.70 

نهائي بطولة الوطنية – تونس (12 جويلية 2025): 800 م – 1:46.00

وإلى جانب هذه النتائج في اختصاصه الرئيسي (800 متر ، برز العيوني أيضًا في مسافات أخرى، إذ حقق زمنًا قدره 2:17.21 دقيقة في سباق 1000 متر بملتقى لياج ببلجيكا، إضافة إلى 3:36.97 دقيقة في 1500 متر بملتقى براغ الدولي، ما يعكس تعدد إمكانياته وقدرته على منافسة نخبة العدائين في اختصاصات مختلفة.

عودة بعد غياب عن الأولمبياد بسبب تعرّضه لإعتداء تسبب له في  إصابة حادّة

ما يجعل هذه النتائج أكثر قيمة هو السياق الذي جاءت فيه. فقد عانى العيوني خلال موسم 2024 من حادثة عنصرّية شوّشت مسار تحظيراته و إصابة حرمتاه من المشاركة في دورة الألعاب الأولمبية بباريس، بعد أن سبق له بلوغ نصف نهائي بطولة العالم ببودابست 2023 وأولمبياد طوكيو 2021. البعض توقّع نهاية مسيرته عند تلك المرحلة، لكن العيوني عاد أقوى، ليبرهن أن العزيمة قادرة على تحويل الإحباط إلى نجاح تاريخي وقياسي.

تحديات خارج المضمار

ورغم بروز اسمه عالميًا، فإن مسيرة عبدالسلام العيوني ما زالت مرهونة بعقبات خارجية عديدة. فهو يخوض موسمه الثامن على التوالي من دون مدرّب مباشر، مكتفيًا بمتابعة ودّية وإرشادات تقنية من مدربه السابق نور الدين كمون (المدرّب الوطني السابق ومدرّب البطلة الأولمبية والعالمية حبيبة الغريبي)، الذي يمكنه من من برنامج تدريبات يومي عبر وسائل التواصل الاجتماعي فقط، دون أن يلتقيا منذ أكثر من موسمين.

كما واجه العداء مشاكل مالية ولوجستية حقيقية، إذ لم يتحصل على أي ميزانية ولا على عقد أهداف مع الجامعة التونسية لألعاب القوى بقية الهياكل الرياضية التونسية، ما صعّب عليه تنظيم سفره، إقاماته، وجدول مشاركاته الدولية. ورغم ذلك، أصر على المواصلة في ظروف صعبة، وأثبت أن الطموح يمكن أن يعوض غياب الدعم.

رقم قياسي تونسي جديد ومكانة عالمية

بتحقيقه توقيت 1:44.55 في ألمانيا، حطّم العيوني رقمه الشخصي السابق، وسجّل اسمه من جديد في قائمة الأرقام الوطنية البارزة. هذه النتيجة، إلى جانب ثباته في باقي السباقات، جعلته يقفز إلى المركز 77 عالميًا، مع توقع دخوله نادي الخمسين الأوائل في التصنيفات المقبلة، وهو ما يعزز حظوظه في في التواجد بقوة في ملتقيات ما بعد بطولة العالم التي غاب عن المشاركة  في منافساتها ، كذلك ضمان العودة إلى الألعاب الأولمبية لوس أنجلوس 2028 بأهداف أكبر وقبلها الألعاب الإسلامية وكذالك ألعاب البحر الأبيض المتوسط والألعاب الإفريقية…

يقول العيوني في حديثه لكيف كيف راديو إن “أحد أسباب نجاحي يكمن في ثباتي على أهدافي ومعرفتي بقدراتي وانضباطي، لكن في هذه الفترة الدقيقة والحساسة من مسيرتي، يعود الجزء الأهم من الفضل لمدربي السّيد نورالدين كمّون ومجهوداته الدّقيقة. فبالرغم من صعوبة المهمة في كل مرة، كان إيمانه بالنجاح بمثابة شحنة لتدريباتي اليومية” يقول العيوني

وعن موسمه الإستثنائي، يقول العيوني:
“في الحقيقة، هذا الموسم بالنسبة لي موسم عادي، لكنه تميز بنتائج رائعة. وكما هو الحال في باقي المواسم، نتقدّم ونحسّن أوقاتنا بالتوازي مع تقدّم المستوى العالمي. لكن الأهم أن يكون الموسم بداية قوية، برقم قياسي وعودة لواجهة الترتيب العالمي. ما يسعدني حقًا أن أهدي هذه النتائج لكل من تابعني طوال السنوات الماضية، ولكل من تعاطف معي وساندني في كل مراحل مسيرتي. وأرجو أن تسعدهم هذه النتائج وترد لهم جزءًا بسيطًا من الجميل.”

باختصار، موسم 2025 بالنسبة لعبدالسلام العيوني هو موسم العزيمة والتجديد: عودة قوية بعد خيبة، رقم قياسي وطني جديد، وصعود لافت في الترتيب العالمي، رغم غياب أبسط مقومات النجاح. قصة العيوني ليست فقط قصة عداء يركض في المضمار، بل أيضًا قصة مقاومة يومية وصراع مع الظروف، ليؤكد أن الرياضة الحقيقية تبدأ من الإيمان بالذات قبل أي شيء آخر.