تونس تحتج بثلاث لغات على مقتل مواطنها في مرسيليا… والإعلام الفرنسي يرى في الخطوة “إذلالًا” لباريس

Design sans titre (25)

في خطوة غير مسبوقة من حيث الأسلوب، أصدرت تونس بيانًا رسميًا باللغات العربية والفرنسية والإنجليزية، وبلهجة مباشرة وحادة، احتجاجًا على مقتل المواطن التونسي عبد القادر ذيبي يوم 2 سبتمبر 2025 بمدينة مرسيليا الفرنسية، برصاص عناصر من الشرطة الشرطة الفرنسية .

البيان، الذي صدر يوم 3 سبتمبر، أوضح أن وزارة الشؤون الخارجية والهجرة والتونسيين بالخارج استدعت القائم بالأعمال بالنيابة في السفارة الفرنسية بتونس، في ضل غياب السفيرة الفرنسية وعد تواجدها في تونس ، لإبلاغه احتجاج تونس الشديد، والتأكيد على أن الحادثة تُعد “قتلًا غير مبرر”. وطالبت تونس بفتح تحقيق “سريع وحازم” لتحديد المسؤوليات، مشيرة إلى أنها ستتخذ جميع الإجراءات القانونية لحماية حقوق الفقيد وعائلته.

كما أعلن البيان أن رئيس الجمهورية قيس سعيّد أصدر تعليماته لسفير تونس في باريس ليبليغ الموقف ذاته إلى السلطات الفرنسية، والتنسيق مع القنصلية العامة بمرسيليا للإسراع في نقل جثمان الضحية إلى تونس. وأكدت الوزارة أنها تواصلت مع عائلته لتقديم التعازي وإطلاعها على مجمل الخطوات المتخذة.

لهجة استثنائية ورسالة بثلاث لغات

اختيار تونس نشر البيان بثلاث لغات على صفحاتها لم يكن تفصيلاً بروتوكوليًا. فقد بدا واضحًا أنه خيار مقصود لإيصال الرسالة إلى ثلاث دوائر أساسية: الداخل التونسي عبر اللغة العربية، السلطات الفرنسية عبر الفرنسية، والمجتمع الدولي عبر الإنجليزية. وهو ما جعل الخطاب أكثر وضوحًا، وأقل قابلية للتأويل أو التخفيف.

ردود فعل في فرنسا

هذا الموقف التونسي أثار ردود فعل في الأوساط الإعلامية والسياسية الفرنسية. ففي حين اكتفى البعض بنقل الموقف التونسي بصفته احتجاجًا دبلوماسيًا مشروعًا، ذهبت جل المنابر الإعلامية، وخاصة القريبة من أحزاب اليمين، إلى وصف الخطوة بأنها “إذلال لفرنسا”، معتبرة أن اللهجة الحادة والعلنية للبيان تمثل تصعيدًا غير مألوف في العلاقات بين البلدين.

كما نقلت تحليلات في الصحافة الفرنسية أن صدور البيان بثلاث لغات يوحي برغبة تونس في تدويل القضية، وهو ما اعتُبر رسالة ضغط إضافية على باريس، في وقت تواجه فيه الحكومة الفرنسية انتقادات داخلية بشأن أداء قوات الأمن.

الترقب لما بعد البيان

في تونس، ينظر إلى هذه الخطوة على أنها تأكيد على التزام الدولة بحماية مواطنيها في الخارج، بينما يبقى السؤال الأهم موجّهًا إلى باريس: كيف ستتعاطى السلطات الفرنسية مع هذه المطالب؟ وهل ستسارع إلى فتح تحقيق جدي يكشف الملابسات ويحدد المسؤوليات؟

ويضلّ سؤال قرطاج مشروعًا في ظل تواصل هذا النمط من التعامل الأمني في فرنسا، حيث كثيرًا ما يُقدَّم نجاح العملية الأمنية من زاوية أن نهايتها كانت قتل الطرف المقابل. غير أن هذا القتل غالبًا ما يُتبَع بما يمكن اعتباره “قتلًا ثانيًا للحقيقة”، عبر خطاب رسمي وإعلامي يعتمد مصطلحات مضلّلة مثل كلمة “تحييد”.
فهذا المصطلح، الذي أصبح حاضرًا بقوة في البيانات الرسمية الفرنسية ووسائل الإعلام، لا يحدد بوضوح ما جرى: فقد يعني الإيقاف أو السيطرة على المشتبه به أو ربما شلّ حركته ، وقد يعني أيضًا قتله. وبهذا الشكل، يتحول “التحييد” إلى صياغة محايدة تُجنّب الاعتراف الصريح باستخدام القوة المميتة، وتترك للرأي العام صورة ملتبسة عمّا حدث بالفعل.

وإلى حين صدور نتائج التحقيق، يبقى الموقف التونسي علامة فارقة في درجة حدة الخطاب الدبلوماسي التونسي تجاه فرنسا.